الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
289
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وافتتاح الكلام بالنّداء لقصد التوبيخ أو الملام والتّنبيه ، كما تقدّم في قوله : قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ [ هود : 53 ] . وقرينة التّوبيخ هنا أظهر ، وهي قولهم : قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا فإنّه تعريض بخيبة رجائهم فيه فهو تعنيف . و قَدْ لتأكيد الخبر . وحذف متعلّق مَرْجُوًّا لدلالة فعل الرجاء على أنّه ترقب الخير ، أي مرجوا للخير ، أي والآن وقع اليأس من خيرك . وهذا يفهم منه أنّهم يعدّون ما دعاهم إليه شرّا ، وإنما خاطبوه بمثل هذا لأنّه بعث فيهم وهو شاب ( كذا قال البغوي في تفسير سورة الأعراف ) أي كنت مرجوا لخصال السيادة وحماية العشيرة ونصرة آلهتهم . والإشارة في قَبْلَ هذا إلى الكلام الذي خاطبهم به حين بعثه اللّه إليهم . وجملة أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا بيان لجملة قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا باعتبار دلالتها على التعنيف ، واشتمالها على اسم الإشارة الذي تبيّنه أيضا جملة أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا . والاستفهام : إنكار وتوبيخ . وعبّروا عن أصنامهم بالموصول لما في الصّلة من الدّلالة على استحقاق تلك الأصنام أن يعبدوها في زعمهم اقتداء بآبائهم لأنّهم أسوة لهم ، وذلك ممّا يزيد الإنكار اتّجاها في اعتقادهم . وجملة وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ معطوفة على جملة يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا ، فبعد أن ذكروا يأسهم من صلاح حاله ذكروا أنّهم يشكون في صدق أنه مرسل إليهم وزادوا ذلك تأكيدا بحرف التأكيد . ومن محاسن النّكت هنا إثبات نون ( إنّ ) مع نون ضمير الجمع لأنّ ذلك زيادة إظهار لحرف التوكيد والإظهار ضرب من التحقيق بخلاف ما في سورة إبراهيم [ 9 ] من قول الأمم لرسلهم : وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا لأنّ الحكاية فيها عن أمم مختلفة في درجات التّكذيب ، ولأنّ ما في هاته الآية خطاب لواحد ، فكان تَدْعُونا بنون واحدة هي نون المتكلم ومعه غيره فلم يقع في الجملة أكثر من ثلاث نونات بخلاف ما في سورة إبراهيم لأنّ الحكاية هنالك عن جمع من الرسل في ( تدعوننا ) فلو جاء ( إنّنا ) لاجتمع أربع نونات . والمريب : اسم فاعل من أراب إذا أوقع في الريب ، يقال : رابه وأرابه بمعنى ،